"يتباها الناس بجمال ساعاتهم التي يلبسونها, ولكن أجمل الساعات تلك التي كانت ترسمها أمي على يدي بأسنانها"
الجمعة، 16 نوفمبر 2012
السبت، 27 أكتوبر 2012
الـمدينة الـمـنسية ، فـي ظـل الأزمة الـعالـمية .
مدينة قديمة صغيرة منسية بائسة فقير تمر بأزمات مالية عصيرة و ظروف اقتصادية مريرة ، فهي و قرينتها من المدائن في هذا الزمن الرديئ الصعب راضية بماهو كائن ، و ينتابها من مستقبلها الرعب ، فأهلها غارقون في الديون و جلها مقترض مديون ، و المحظوط فيهم يعيش على السلف و له في البنوك لهذا ملف .
في ليلة شتائية معتثرة و الغيوم سوداء ممطرة يفيد الى هذه المدينة سائح على ظهر سفينة ، انه مسر غني منعم مرفه ثري ، جيوبه بدولارات محشوية ومنها يستميد السيطرة و القوة، دخل الى فندق البلدة ، واخرج من جيبه ما عنده فوضع مئة دولار أخضر على خشبية سطح 'الكونتر' وفال للموظف الاستقبال بلهجة فيها تكبر و تعال ، سوف اصعد الى معاينة الغرف ، وكأن الفندق بقدوميه نال الشرف ، صعد لكي يدقق في تصميم والاثات و 'دزاين' و هو يغني ' لجوني كاش أي ووك دلاين ' .
الجمعة، 26 أكتوبر 2012
ماذا يعني '' العيد '' للمغاربة ؟
الـكـاتب : صـلاح الـدين عـابر – أســفي .
abir.salaheddin@yahoo.com
عندما يتعلق الأمر بالعيد الأضحى لدى المغاربة فهي مسألة
' كرامة ' ، لدى يتقاتل المغاربة من اجل الحصول على كبش العيد بأي ثمن ، وعليه
ايضا ان يكون ' سمين ' ، ويبقى السؤال مطروح ماذا يعني العيد لدى الـمغاربة ؟ ، هل
هي لحظة دينية ، تعود لنا بالداكرة حينما آسلم إسماعيل نفسه وقال لوالده إبراهيم
افعل ما تومر فكان ثمن طاعة الابن لوالده هي فديثه بكيش عظيم ؟ ...
في كل عيد يتاسبق المغاربة الى الاسواق ، وتجد المدن في
حالة استنفار و الكل مسرع و مستعجل باقصى الاستعجال ، وتجد ' الكوميساريات '
ممتلئة عن اخرها و اسواق الخمر تروج منتوجها بالإرتفاع و الاقبال ، وحتى ' الشفارة
' يعودون الى الاسواق بقوة وكأنهم طيلة السنة كانوا إزاء عطلة سنوية ، وفي بعض
الاحيان تجد مشاجرات بين البشر قد تصل الى القتل و السبب نزاع عن كبش ، ويتحول عيد
الاضحى عنونا لتضحية الإنسان من اجل الإنسان وليس تضحية للإنسان بالكبش لكي يفترسه
.
وعندما ننحر الكبش يوم العيد تتكرر صيحة العام الـماضي و
الذي من قبله ' أرا الـــــمــــا ' ويتناسى المغاربة معاني ' العيد ' الدينية و الفلسفة الروحية العميقة ،
وتتصاعد وثيرة الغضب لدى المغاربة ، وخاصة منهم الذي اجرة عمله لا تفوق 2000 درهم
و له 6 ابناء ويسكن بيت، وتزداد المعانات
ويضحي المواطن بنفسه لكي تفترسه الابناك و شركات السلف .
فالعيد الكبير لدى المغاربة ذلك اليوم الكبير الذي يملئ
فيه المغربي معدته بلحوم الدسمة ، وذلك كان نتيجة معركة تنتهي على جميع الجبهات
بالشواء ويضيف اليها بعض التوابل الخمرية ، ويتحول المغربي الى ' ملك ' يفطر
باللحم و يتغدى باللحم وايضا العشاء باللحم و لما لا يقوم من النوم في منتصف الليل
و يشوي بعض اللحم .
نهيك عن الاطفال الذين لا يخافون مشاهدت الدماء ويخططون
لكل جزء من جسم ' الحولي ' والناس تحزن جدا عندما يجدون أجزاء من الكبش مريضة أو
ضربها التلف ، رغم ان هذا شيء طبيعي لأن شعبا كاملا من الأكباش يرعى في المزابل
ويأكل ' الـــميـكة ' والفضلات العفنة .
لكن لا احد من المغاربة تذكر او يريد اتذكر بان ' العيد
الكبير ' هو مناسبة لتحيين الروابط الاجتماعية وايضا يحتل مكانة اساسية في جغرافيا
المقدس ، فهو غير قابل للتجاوز او الإلغاء .
ولا احد ايضا سأل لماذا يعاني الفلاحون و مربو المواشي
طيلة السنة ، رغم ان فوائد عيد الاضحى لا تقدر بثمن ، لكنهم يشتكون لان الدولة لا
توفر لهم أي مخطط تنموية لتلك الملايير ، تم تستمر كل سنة معاناة الفلاح و المواطن
.
أمس ذبحنا كبشا و العام الذي قبله و قبل قبله .. ذبحنا
اكباش ، ولا نعرف لماذا أرقنا دمه ، وفي
كل عام ينظر إلينا الكبش بذهول و هو يتسائل لماذا نذبحه إذا كنا ،نحن بني البشر '
نذبح ' بعضنا البعض كل ساعة وكل دقيقية وكل يوم . في كل عيد ، نتسابق لشراء أكباش
سمينة تزهو بقرونها ونذبحها ونسلخها بحماس ولا نعرف لماذا فعلنا ذلك ، هل بحثا عن
اللحم او بحثا عن أهداف روحية و إنسانية ؟
ايضا ننسى و ننسى عندما نبدو كمؤمنين ورعين ، نتسابق من
أجل حصول على الصفوف الامامية في المسجد ، ثم نجري مباشرة نحو سكاكين ، وننسى أن
الكبش الذي نتسابق من اجل نحره وهو أفضل من كثيرين منا لانه وضع رقبته فداء لنا ،
بينما نحن لا نتردد في ذبحه ثم سلخه قبل ان تزهق روحه .
ينسى الموطن المغربي بانه هو بحد داته كبش ، ويذبح طيلة
العصور الماضية و بي سكاكين غير مشحوذة من حكم إستبدادي و فساد سياسي و إقتصادي ،
لكن ' خسارة المغربي نسى '
كم من مغربي من بعد العيد ، سرى نفسه انه هو من ذبح ،
عندما يرى شركات السلف تقتطع من شهريته ، وسيتذكر حينما كان يتعاند مع الناس ويتباهى عن باقي الجيران عن الكبش الأكبر
سمنة ، وعن الأغلى ثمنا ، لـو كل مغربي أمسك سكينه استعدادا للذبح ونظر جيدا في
عيون الخروف فإنه سيسمع الكبش يقول له : أنــــت الذي تمسك الان تلك السكين
لتذبحني ، ماذا استفدت من إراقة دماء كل إخوتي الأكباش التي ذبحتها طوال حياتك ؟
هل تعلمت شيئا عن روح التضحية و الفداء ؟ ،
هل تفهم مغزى ان اقدم إليك عنقي قربانا ؟ ، وأكثر من هذا ، هل تعتقد نفسك
افضل مني لكي تذبحني ؟ ، وماذا يعني لك العيد لكي تذبحني ؟
الأحد، 9 سبتمبر 2012
سوريالية المشهد السياسي المغربي
الواقع المغربي سريالي إلى حد كبير. والذي ينظر إلى
المشهد السياسي المغربي سيبدو له أنه ينظر إلى إحدى لوحات الرسام الغرائبي
سلفادور دالي... الأنف قرب الرِّجل، والأصبع إلى جوار الحنجرة،
والظفر فوق اللسان، والرأس تحت القدم، والعين فوق الحاجب.
في اللوحات التشكيلية تبدو هذه المشاهد ممتعة، لذلك وصلت اللوحات السريالية إلى أسعار خيالية، والناس يتهافتون عليها كما يتهافتون على الخبز الساخن؛ لكن هذه السريالية تبدو مقززة في واقع سياسي، لذلك ينفر الناس من السياسيين، ويتهمون الأحزاب بالنفاق، ويحطمون كل الأرقام القياسية في مقاطعة الانتخابات، ويقارنون بين المسؤول وبين الشيطان.
آخر مظاهر السريالية في المشهد السياسي المغربي التحاق عضو بارز سابق في حركة 20 فبراير بحزب الأصالة والمعاصرة؛ والذين لم يفهموا هذه الحركة الالتفافية الصعبة، أكيد أنهم لا يجدون صعوبة تذكر في فهم الواقع السياسي المغربي منذ ما يسمى الاستقلال إلى اليوم، بل ربما قبل ذلك بكثير.
الانتقال من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين كان دائما حالة شائعة في هذه البلاد، وذلك لم يحدث في حالة أشخاص فقط، بل إن هيئات سياسية وأحزابا بكاملها حملت متاعها وعبرت في لمح البصر تلك المسافة الخرافية التي تفصل بين منطقتين متناقضتين.
وقبل أيام، قال قيادي في الاتحاد الاشتراكي إن وصول الإسلاميين إلى السلطة في العالم العربي يذكـّره بوصول الفاشيين إلى السلطة في أوربا. هذا الرجل ضرب لنا مثلا ونسي خلقه، لأنه نسي تماما تلك الرحلة السريالية التي قطعها حزبه من يسار متجذر بين الناس إلى يسار صوري يرفع شعار الاشتراكية من باب التذكير بأن الحزب كان يوما ما اشتراكيا. ويبدو أن حزب الاتحاد الاشتراكي هو أول حزب مغربي طبق نظرية «الانتقال السريالي» بطريقته الخاصة، وهو انتقال يسميه الناس الانتقال الديمقراطي أو التناوب التوافقي.. وهلم تسميات.
في المغرب أحزاب أخرى انتقلت ما بين اليسار وما بين اليمين كأنها تقفز ما بين العتبة وداخل الدار، وذلك لم يسبب لها أدنى حرج. وهناك زعماء أحزاب كانوا شيوعيين ثم انتهوا في البرلمان يحملون لقب الحاج ويطعّمون تدخلاتهم البرلمانية بآيات من القرآن الكريم.
هناك مناضلون اشتهروا بمعاناتهم الطويلة في الأقبية وخلف شباك السجون، ثم وجدوا لهم في النهاية موطئ قدم في شباك الحكم فشربوا حبّة النسيان وانتهت مشكلتهم.
هناك طلبة كانوا يرفعون شعارات جذرية في حرم الجامعات وينادون بإشعال النار في كل شيء، ثم انتهوا بعد ذلك يحملون الهراوات ويواجهون طلبة مثلهم ينادون بالزيادة في المنحة أو بتوفير مناصب شغل.
الإسلاميون ليسوا بمعزل عن هذا الانتقال السوريالي، وها هو رئيس الحكومة الحالي، عبد الإله بنكيران، ينتقل من زمن «الفلقة والتـّعْلاق بالطيّارة» إلى زمن الجلوس على كرسي رئاسة الوزراء. لقد انتقل الرجل من زمن رش الملح على الجرح إلى زمن وضع الثلج على مواضع الألم.
حزب الأصالة والمعاصرة بدوره لم يفعل أكثر من التطبيع مع هذا الانتقال، لأنه لاحظ أن هناك الكثير من الممارسين للعبة الترحال ما بين اليسار واليمين، وكثير من هؤلاء لا يجدون حزبا مناسبا لهم، لذلك قرر أن يكون الإطار السياسي الطبيعي لهؤلاء. وها هو «البام» يضم اليوم بين صفوفه أشخاصا كان حلم إسقاط النظام يسرق منهم نومهم، فصاروا في النهاية من سدنة النظام ومن أشرس المدافعين عنه. في المغرب مشاهد سريالية كثيرة، كثيرة جدا؛ فكثير من المغاربة يرددون اليوم حكايات كثيرة عن أحزاب عائلية تتصرف بمنطق المافيا الإيطالية، وكل واحد يصل إلى السلطة أو إلى منصب معين يكون ملزما بجرّ آخرين كثيرين إلى مناصب هامة.
في المغرب أحزاب ميكروسكوبية لا تستطيع أن تملأ قاعة صغيرة بأنصارها، وأحيانا يضطر الزعيم إلى استدعاء أصدقائه وأشقائه وجيرانه. وهناك «زعيم» عادة ما يلقي خطبه في قاعة ممتلئة لأن زوجته، التي تملك مصنعا، تتكفل بحشد الأنصار له وتضطر إلى منح عمالها وعاملاتها عطلة قسرية لأن «زعيمها» سيغضب لو لم تساعده، لأنه عادة ما يساعدها في المطبخ، بينما هي تساعده في حشد الأنصار.
والظفر فوق اللسان، والرأس تحت القدم، والعين فوق الحاجب.
في اللوحات التشكيلية تبدو هذه المشاهد ممتعة، لذلك وصلت اللوحات السريالية إلى أسعار خيالية، والناس يتهافتون عليها كما يتهافتون على الخبز الساخن؛ لكن هذه السريالية تبدو مقززة في واقع سياسي، لذلك ينفر الناس من السياسيين، ويتهمون الأحزاب بالنفاق، ويحطمون كل الأرقام القياسية في مقاطعة الانتخابات، ويقارنون بين المسؤول وبين الشيطان.
آخر مظاهر السريالية في المشهد السياسي المغربي التحاق عضو بارز سابق في حركة 20 فبراير بحزب الأصالة والمعاصرة؛ والذين لم يفهموا هذه الحركة الالتفافية الصعبة، أكيد أنهم لا يجدون صعوبة تذكر في فهم الواقع السياسي المغربي منذ ما يسمى الاستقلال إلى اليوم، بل ربما قبل ذلك بكثير.
الانتقال من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين كان دائما حالة شائعة في هذه البلاد، وذلك لم يحدث في حالة أشخاص فقط، بل إن هيئات سياسية وأحزابا بكاملها حملت متاعها وعبرت في لمح البصر تلك المسافة الخرافية التي تفصل بين منطقتين متناقضتين.
وقبل أيام، قال قيادي في الاتحاد الاشتراكي إن وصول الإسلاميين إلى السلطة في العالم العربي يذكـّره بوصول الفاشيين إلى السلطة في أوربا. هذا الرجل ضرب لنا مثلا ونسي خلقه، لأنه نسي تماما تلك الرحلة السريالية التي قطعها حزبه من يسار متجذر بين الناس إلى يسار صوري يرفع شعار الاشتراكية من باب التذكير بأن الحزب كان يوما ما اشتراكيا. ويبدو أن حزب الاتحاد الاشتراكي هو أول حزب مغربي طبق نظرية «الانتقال السريالي» بطريقته الخاصة، وهو انتقال يسميه الناس الانتقال الديمقراطي أو التناوب التوافقي.. وهلم تسميات.
في المغرب أحزاب أخرى انتقلت ما بين اليسار وما بين اليمين كأنها تقفز ما بين العتبة وداخل الدار، وذلك لم يسبب لها أدنى حرج. وهناك زعماء أحزاب كانوا شيوعيين ثم انتهوا في البرلمان يحملون لقب الحاج ويطعّمون تدخلاتهم البرلمانية بآيات من القرآن الكريم.
هناك مناضلون اشتهروا بمعاناتهم الطويلة في الأقبية وخلف شباك السجون، ثم وجدوا لهم في النهاية موطئ قدم في شباك الحكم فشربوا حبّة النسيان وانتهت مشكلتهم.
هناك طلبة كانوا يرفعون شعارات جذرية في حرم الجامعات وينادون بإشعال النار في كل شيء، ثم انتهوا بعد ذلك يحملون الهراوات ويواجهون طلبة مثلهم ينادون بالزيادة في المنحة أو بتوفير مناصب شغل.
الإسلاميون ليسوا بمعزل عن هذا الانتقال السوريالي، وها هو رئيس الحكومة الحالي، عبد الإله بنكيران، ينتقل من زمن «الفلقة والتـّعْلاق بالطيّارة» إلى زمن الجلوس على كرسي رئاسة الوزراء. لقد انتقل الرجل من زمن رش الملح على الجرح إلى زمن وضع الثلج على مواضع الألم.
حزب الأصالة والمعاصرة بدوره لم يفعل أكثر من التطبيع مع هذا الانتقال، لأنه لاحظ أن هناك الكثير من الممارسين للعبة الترحال ما بين اليسار واليمين، وكثير من هؤلاء لا يجدون حزبا مناسبا لهم، لذلك قرر أن يكون الإطار السياسي الطبيعي لهؤلاء. وها هو «البام» يضم اليوم بين صفوفه أشخاصا كان حلم إسقاط النظام يسرق منهم نومهم، فصاروا في النهاية من سدنة النظام ومن أشرس المدافعين عنه. في المغرب مشاهد سريالية كثيرة، كثيرة جدا؛ فكثير من المغاربة يرددون اليوم حكايات كثيرة عن أحزاب عائلية تتصرف بمنطق المافيا الإيطالية، وكل واحد يصل إلى السلطة أو إلى منصب معين يكون ملزما بجرّ آخرين كثيرين إلى مناصب هامة.
في المغرب أحزاب ميكروسكوبية لا تستطيع أن تملأ قاعة صغيرة بأنصارها، وأحيانا يضطر الزعيم إلى استدعاء أصدقائه وأشقائه وجيرانه. وهناك «زعيم» عادة ما يلقي خطبه في قاعة ممتلئة لأن زوجته، التي تملك مصنعا، تتكفل بحشد الأنصار له وتضطر إلى منح عمالها وعاملاتها عطلة قسرية لأن «زعيمها» سيغضب لو لم تساعده، لأنه عادة ما يساعدها في المطبخ، بينما هي تساعده في حشد الأنصار.
الاثنين، 3 سبتمبر 2012
بروباغوندا ' المخزنية'
هناك العديد من الناس تسقط ضحية ' بروباغوندا ' المخزن ،
و هذه الإستراتيجية المخزنية لها دور كبير في تغليط الرأي العام و لعب بعقول
المتتبع لشأن ، كثيرا ما سمعت ناس يجادلون عن بكرة ابيهم و يدافعون بشراسة عن كلام
او عن شئ انتجته ( البروباغوندا المخزنية ) آقصد بالبروباغوندا تلك الشعبية
الزائفة التي تصنعها الأنظمة الدكتاتورية ، لديكتاتورية
، أي سلطة ديكتاتورية ، بمعنى ان البروباغوندا هي التي تصنع حشودا ً شعبية مصطنعة
وزائفة لا تعكس حقيقة إرادة وخيارات جمهور الشعوب المسلوبة الإرادة الخاضعة للحكم
الديكتاتوري.. ، كمثال تلك الفئة التي
استعان بها 'المخزن' في تمرير الدستور التي يطلق عليها إسم ( البلطجية ) ، تتمثل
في ناس ، فقراء ، و جهلاء ، مقابل مبلغ مالي يمكن ان يفعلوا آي شئ و كل شئ ، هذه
الفئة تكون طبعا .. بعكس الحشود الشعبية
المعارضة التي تخرج في شارع تطالب بتغير او إسقاط الآنظمة الدكتاتورية ، او ترفع
مطالب الإصلاح .
والجميع
يعرف كيف تقوم السلطة الديكتاتورية باصطناع هذه الحشود بالإعتماد على بعض فئات
المجتمع من الافراد التابعين حكوميا ً للسلطة من رجال الأمن أو الجيش الذين تجبرهم
السلطة للمشاركة في الحشد الاحتفالي بلباس مدني أو من الأفراد والموظفين العموميين
الخائفين والمضللين وغير المسيسيين فضلا عن ما ذكرت في السابق ( البلطجية ) يعني "الرعاع"
و"الدهماء" الذين يتم شراء أصواتهم وتأييدهم عن طريق المال بشكل نقدي
مباشر أو يتم إغرائهم من خلال إقامة الولائم الدسمة والحفلات الغنائية والراقصة!..
و لكي نكون واقعيين جدا ، علينا ان نعود بذاكرتنا قليل الى الوراء ، ونلقي نظرة
بسيطة عن تلك الحشود التي استعان بها ' المخزن ' في الدستور ، في اغلب المدن التي
كانت تشهد حراك قوي ، كمثل ، آسفي ، و الدارالبيضاء و الرباط وغيرها من المدن و
القرى ، ستلاحظون جدا ان الإعلام الرسمي نادرا ما يتواجد في مظاهرات المعارضة ، ايام الدستور كانت كميرات
البوق الرسمي متواجدة مع المؤييدين
للدستور ، وتقوم السلطة بتصوير هذا "الحشد المفتعل والمصطنع" وبث صوره
في وسائل إعلامها ثم الإدعاء بأن الجماهير الشعبية خرجت عن بكرة أبيها لدعم السلطة
وتأييدا لمشروعها كما كان نوعه ، وهذا ايضا نشاهده الأن كذلك في سوريا ، لكن
بطريقة أشرس ، حينما يقوم إعلام الدكتاتورية بتصوير ' الثوار " في صورة
الإرهابيين ، ولكن كل هذه الأمور مشهودة
وهذه الحشود ،في ظل الديكتاتورية ليست سوى
"واقع مزيف مصطنع" لا يعكس الحقيقة الإجتماعية والإرادة الشعبية!، لكن
علينا ايضا ان نتعمق جيدا في
(بروباغوندا
المخزنية ) فهي ايضا خطيرة جدا ، واعطت اكلها وسط فئة كبيرة في المجتمع ، او يمكن
القول اللوم على عقول ابناء هذا الشعب ؟ ، سنبحث آين استغل ' المخزن ' (بروباغوندا) ، كان قد استعملت بقوة في آحداث إزاء حراك
شعبي كانت لها مخلفات قوية على نظام الحكم ، كمتل عندما استعان بها لمواجهة شباب
حركة الـ20 من فبراير ، او بمساعدة الإعلام الرسمي في قضية كل من ( كمال العماري )
التي كان قد بث الإعلام الرسمي بان هذا الشاب مات بسكتة قلبية ، عكس ما يقول
الواقع بان هذا الاخير مات على ايادي عناصر الشرطة ، و كذلك قضية الشاب ( محمد
بودروة ) التي قال عنها البوق الرسمي بان هذا الشاب انتحر من فوق سطح وكالة
التشغيل ، وقام كذلك بتصوير حوار مع ( اخت الضحية ) وقام بتقطيع الحوار الى اجزاء التي يراها مناسبة لبثها ، هذا عكس
الواقع الذي يقول بآن ( الشاب محمد بودروة ) قامت عناصر الأمن برميه من سطح وكالة
التشغيل ، و تغطية احداث سيدي إفني ، و بوعياش ، و تازة ، و آسفي ، و....غيرها .
إن هذه الاشياء اعطت ثمارها وسط العديد من الناس و
اصبحوا يناقشون الآوضاع من ناحية ما سمعوا في تلفاز او ماقالته الجهات الرسمية ، و
سرعا وان اننا بدئنا نكتشف ان الشخص البشري المغربي ، لا يمتلك مقومات ( تحليل
الآشياء ) وكثيرا ما يطلق عليها ( إبرة الـمخزن ) .
ولكي نعرف حقيقية حجم
شعبية ، أي طرف سياسي لا يمكن معرفتها إلا من خلال نظام ديموقراطي حقيقي شفاف
وعادل إلا أن المظاهرات الشعبية التي تخرج
في مواجهة سلطة ديكتاتورية دموية بصدور عارية لا شك أنها تعكس موقف شعبي حقيقي
بعكس المسيرات المصطنعة التابعة للسلطة والتي تصطنعها سلطة الديكتاتور!.. فهي تظل
مسيرات مشكوك في أمرها وصحتها لأنها تتم في ظل القوة والخوف والإرهاب والتحكم في
وسائل الإعلام.
و ' بروباغوندا المخزن ' هي ضمن او جزء من السلطات
الديكتاتورية والشمولية الغاشمة ، و لديها فئات سآقسمها الى خمس اجزاء على الشكل
التالي :
(1)
فئة الرعاع والعوام من الجهلة وغير المسيسيين من الفضوليين ممن تثير فضولهم التجمعات
الجماهيرية والإحتفالات الغنائية والفنية " الآمنة" و"الهيصة"
و"البيصة" خصوصا ً إذا كانت مصحوبة بحوافز تقدمها السلطات المنظمة مثل
ولائم الطعام الدسمة أو العطايا المالية!.. فهناك في كل مجتمع وخصوصا ً المجتمعات
الأبوية والمتخلفة سياسيا ً تجد هذه الفئة من الناس من الجهلة والعوام والرعاع
والسوقة والفضوليين ممن تستقطبهم التجمعات الإحتفالية الآمنة وخصوصا ً
عندما
تكون من إعداد السلطات الحاكمة!.
(2) فئة بعض الشعراء والفنانيين ووجهاء بعض المدن أو مشايخ بعض
القبائل و زوايا الصوفية الذين يتم إغرائهم بالمال ممن هم في كل واد يهيمون
(3) فئة بعض الشخصيات العامة الذين يتم إرغامهم من خلال الترهيب
والتهديد المبطن على المشاركة في جوقة مديح النظام أو على الأقل إلتزام الصمت وعدم
إتخاذ موقف معارض للسلطة وإلا !!!؟؟.
(4) فئة المواليين للسلطة بشكل حقيقي إما لولاءات قبلية ومناطقية
أو لدوافع إيديولوجية وقناعات سياسية أو لدوافع مصلحية وأمنية أي لإرتباط مصالحهم
وسلامتهم الشخصية بسلامة الوضع القائم! .
(5) فئة المضللين ممن لا وعي سياسي ووطني عميق وصحيح لهم ممن
يخلطون بين الولاء للوطن بالولاء للنظام السياسي السائد وللسلطة القائمة أيا ً
كانت تصرفاتها وطبيعتها ، واغلبهم ما يطلق عليهم في المغرب ( البلطجية ) فهؤلاء
بسبب تخلفهم السياسي وإنعدام وعيهم السياسي والوطني السليم لا يستطيعون الفصل في
مشاعرهم ووعيهم بين الولاء للوطن والولاء للحاكم والنظام السياسي القائم، وهذا
الصنف من الناس تجدهم في كل مكان وكل مجتمع خصوصا ً في المجتمعات الديكتاتورية
والمتخلفة سياسيا ، وأيضا ً في مثل هذه المجتمعات الديكتاتورية والمتخلفة سياسيا ً
وخصوصا ً في المجتمعات الأبوية تجد عند هذه الفئة المستلبة الإرادة والفاقدة للوعي
السياسي والوطني الصحيح وفي ظل غياب الثقافة السياسية والوطنية الصحيحة والراقية
تجد بعض الأفراد ممن يخلطون في مشاعرهم ومفاهيمهم السياسية التقليدية والمتخلفة
بين "مقام الأب" في العائلة بمقام الحاكم والقائد السياسي!.. وبالتالي
فأي نقد أو معارضة لهذا القائد أو الحاكم اوالرئيس او الــملك يعتبرونه بشكل
تلقائي لا واعي مساسا ً بمقام الأب المقدس!!.. وقد لاحظت هذا الأمر وقد بدا لي
جليا ً ومتكررا ً أثناء متابعتي للحراك الشعبي بالمغرب منذ إنطلاق حركة 20 فبراير
حيث شاهدت عبر بعض الفيديوهات على ' اليوتيوب ' مجموعة من ما يطلق عليهم البلطجية
، وبعضهم قال و هو يقبل صورة الملك ساجدا ( الملك سبحان الله تعالى ) وحتى بعض
الفنانين ، وحتى بعض الآشخاص لا يميزون بين الدستور و كلام الله ، فهذا الموقف او
المواقف تدل على تخلف الوعي السياسي والوطني إذ أن مقارنة الحاكم والقائد السياسي
بمقام الأب هو خطأ ثقافي فاحش ينم عن تخلف سياسي عميق فالقائد أو الحاكم السياسي
سواء في الثقافة الديموقراطية أو حتى في الثقافة السياسية الإسلامية إبان الخلافة
الراشدة إنما هو في الحقيقة في مقام "الخادم" للأمة وفي حكم العامل
الأجير لديها وفي مقام الموظف العمومي المستأجر وليس قطعا ً في مقام وحكم رب أو أب
أو سيد المجتمع وملك الدولة!!..
إذن
فهذه هي حقيقة وطبيعة قدرة (بروباغوندا ) في
إصطناع الحشود وحشر الجماهير وتجميعها - حسب الطلب! - بسلطان القوة والترهيب
والترغيب والمال والتضليل بالإعتماد على تلك الفئات الإجتماعية الشعبية السابق
ذكرها !.. تلك الفئات العتيدة والمهيئة للإستثمار السياسي ليست فقط في المغرب ،
بلى موجودة في أي مجتمع أبوي يعاني من التخلف السياسي!.. ،فهذه الحشود الشعبية
التي تظهر في الصورة كما لو أنها تعكس بالفعل قاعدة شعبية جماهيرية مؤيدة للنظام
وللحاكم الأستبدادي إنما هي حشود إستعراضية مصطنعة وزائفة لا تعكس حقيقة الوضع
الشعبي الفعلي في المجتمع الأهلي والوطني في ظل غياب الديموقراطية والثقافة
السياسية والوطنية السليمة ..وهذه هي التي يطلق عليها (بروباغوندا الـمخزنية ) هذا
بعكس الناس الذين يتحدون هذه السلطة الديكتاتورية الدموية الغاشمة ويخرجون بصدور
عارية في مواجه قمع ورصاص السلطة فهؤلاء الناس يعكسون إرادة شعبية حقيقية .
السبت، 28 يوليو 2012
بنكيران ضحك.. بنكيران بكى.. ثم تنتهي الحكاية
لم يسبق أن اهتم المغاربة بحكومة مثلما اهتموا بالحكومة الحالية. هم، في
الحقيقة، لم يهتموا بالحكومة لمجرد أنها حكومة، بل اهتموا بحكومة يسمونها
«حكومة بنكيران»، واهتموا أيضا برئيسها،
هذا الرجل البدين القصير، الذي يدفع أمامه بطنه المترهلة قليلا ولا يحب ربطات العنق، ويعشق النكات ويحكي القفشات في كل مناسبة، ثم يبكي في صلاة الاستسقاء فينهمر المطر مدرارا بعد أيام.
في الماضي، أيام الحسن الثاني، كانت تقام صلاة الاستسقاء فينهمر المطر بسرعة، فيقول الناس إن الأمريكان ساعدونا في ذلك، أي أنهم يخبروننا بزمن المطر، فنسارع إلى أداء صلاة الاستسقاء، فيبدو إيماننا كاملا مكتملا لا تشوبه شائبة.
هذه المرة، لم يتحدث الناس كثيرا عن سقوط المطر بضعة أيام بعد صلاة الاستسقاء، ربما لأنهم يؤمنون بأن هذه الحكومة مؤمنة بالفعل، وحتى لو انتهت الخمس سنوات بسلام ولم تحقق شيئا، فإن النية أبلغ من العمل، رغم أننا لا نستطيع أن نشتري بهذه «النية» ربع لتر من الزيت.
عندما استقبل الملك بنكيران، تتبع الناس الوزراء الذين قبّلوا كتف الملك أو الذين قبلوا يده أو الذين انحنوا بخفة أو أولئك الوزراء الذين كادوا يسقطون على وجوههم من فرط «الخلعة» والارتباك، إلى درجة أن الناس أشفقوا عليهم.
بعد ذلك، صار الحديث مختلفا، وبدأ الناس يتحدثون عن مشاكل بنكيران في تشكيل الحكومة، وعن إمكانية عودة حزبه إلى المعارضة، وعن حكومة الظل أو «الحكومة الظل»، وعن فؤاد عالي الهمة الذي يختبئ لبنكيران «مْع الدّورة».
وعندما تشكلت حكومة بنكيران، كانت تلك متعة أخرى، وتحدث الناس عنها في الحافلات وسيارات الأجرة والمقاهي والمنازل والمصانع والإدارات والأعراس والجنائز. وحتى الناس الذين لم يشتروا جريدة طوال حياتهم، صاروا مدمنين على قراءة الصحف لمعرفة كل شيء عن وزراء بنكيران، ومشاكل بنكيران، وطاولة أكل بنكيران الخالية من النبيذ، وبذلة بنكيران، وربطة عنق بنكيران، وحبه القديم وأيام صباه، وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه.
بعد أن انتهت موجة الهوس بشخص بنكيران و«حكومته»، بدأ الحديث عن برنامجه الحكومي، والنساء الغائبات عن حكومته، وأسباب تراجعه عن بعض وعوده، و«السّميكْ» الذي كان سيرتفع إلى ثلاثة آلاف درهم هذا العام، فصار الموضوع مؤجلا إلى سنة 2016، لكن الناس استمروا يحكون بإعجاب عن هؤلاء الوزراء الذين يصرحون بممتلكاتهم، ويجيبون على هواتف المواطنين، ويضبطون القضاة المرتشين في حالات تلبس.
سيمر بعض الوقت ثم يبدأ الناس في الحديث عن أشياء أخرى، وقد تنتهي الخمس سنوات من عمر حكومة بنكيران ليجد المغاربة أنفسهم أمام الواقع نفسه، وسيلتفتون يمنة ويسرة فيجدون أن لوبي الفساد ما زال يأكل القوت ويمشي في الأسواق، وقد يكون ازداد سمنة، وربما سيمارس هذه المرة الرقص الشرقي أمام عيوننا دون أن يسأله أحد «من أين لك كل هذا أيها الفساد العزيز، ولماذا صارت أكتافك أكثر سمنة في عهد حكومة بنكيران؟».
عند ذاك، سيستفيق الناس من سكرتهم ويسألون أنفسهم: وماذا كان يهمنا إن ضحك بنكيران أو بكى، وما شأننا ببذلته أو ربطة عنقه، وأي دخل لنا بزوجته وأبنائه وعشيرته، وماذا دهانا حتى نصدق بنكيران في كل تلك الوعود التي أطلقها بمحاربة الفساد والمفسدين؟
بنكيران قبل، وهو في كامل وعيه، أن يتقلد هذه المسؤولية «الحمقاء» في وقت تغلي فيه الشوارع العربية، ولا يحق له أن يطالب بالرأفة ولا بالرحمة، بل عليه أن يثبت كل يوم أنه الرجل الذي صنعه القدر لكي يرمي الحجر تلو الحجر في بركة الفساد الآسنة، ولا ننتظر منه أبدا أن يلعب دور ذلك الفارس الأبله، دون كيشوت دي لامانتشا، الذي تصور نفسه بطلا وصارع طويلا طواحين الهواء، قبل أن يجد نفسه في النهاية منهكا على فراش المرض بعد أن فقد عمره وطاقته في صراع وهمي. كل يوم يمر من عمر حكومة بنكيران محسوب عليه، لأنه هو الذي أراد ذلك، وإذا ما انتهى عمر حكومته بسلام، فسيكون إما ملاكا.. أو شيطانا، فلا منطقة وسطى بين جنة الإصلاح ونار الفساد
هذا الرجل البدين القصير، الذي يدفع أمامه بطنه المترهلة قليلا ولا يحب ربطات العنق، ويعشق النكات ويحكي القفشات في كل مناسبة، ثم يبكي في صلاة الاستسقاء فينهمر المطر مدرارا بعد أيام.
في الماضي، أيام الحسن الثاني، كانت تقام صلاة الاستسقاء فينهمر المطر بسرعة، فيقول الناس إن الأمريكان ساعدونا في ذلك، أي أنهم يخبروننا بزمن المطر، فنسارع إلى أداء صلاة الاستسقاء، فيبدو إيماننا كاملا مكتملا لا تشوبه شائبة.
هذه المرة، لم يتحدث الناس كثيرا عن سقوط المطر بضعة أيام بعد صلاة الاستسقاء، ربما لأنهم يؤمنون بأن هذه الحكومة مؤمنة بالفعل، وحتى لو انتهت الخمس سنوات بسلام ولم تحقق شيئا، فإن النية أبلغ من العمل، رغم أننا لا نستطيع أن نشتري بهذه «النية» ربع لتر من الزيت.
عندما استقبل الملك بنكيران، تتبع الناس الوزراء الذين قبّلوا كتف الملك أو الذين قبلوا يده أو الذين انحنوا بخفة أو أولئك الوزراء الذين كادوا يسقطون على وجوههم من فرط «الخلعة» والارتباك، إلى درجة أن الناس أشفقوا عليهم.
بعد ذلك، صار الحديث مختلفا، وبدأ الناس يتحدثون عن مشاكل بنكيران في تشكيل الحكومة، وعن إمكانية عودة حزبه إلى المعارضة، وعن حكومة الظل أو «الحكومة الظل»، وعن فؤاد عالي الهمة الذي يختبئ لبنكيران «مْع الدّورة».
وعندما تشكلت حكومة بنكيران، كانت تلك متعة أخرى، وتحدث الناس عنها في الحافلات وسيارات الأجرة والمقاهي والمنازل والمصانع والإدارات والأعراس والجنائز. وحتى الناس الذين لم يشتروا جريدة طوال حياتهم، صاروا مدمنين على قراءة الصحف لمعرفة كل شيء عن وزراء بنكيران، ومشاكل بنكيران، وطاولة أكل بنكيران الخالية من النبيذ، وبذلة بنكيران، وربطة عنق بنكيران، وحبه القديم وأيام صباه، وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه.
بعد أن انتهت موجة الهوس بشخص بنكيران و«حكومته»، بدأ الحديث عن برنامجه الحكومي، والنساء الغائبات عن حكومته، وأسباب تراجعه عن بعض وعوده، و«السّميكْ» الذي كان سيرتفع إلى ثلاثة آلاف درهم هذا العام، فصار الموضوع مؤجلا إلى سنة 2016، لكن الناس استمروا يحكون بإعجاب عن هؤلاء الوزراء الذين يصرحون بممتلكاتهم، ويجيبون على هواتف المواطنين، ويضبطون القضاة المرتشين في حالات تلبس.
سيمر بعض الوقت ثم يبدأ الناس في الحديث عن أشياء أخرى، وقد تنتهي الخمس سنوات من عمر حكومة بنكيران ليجد المغاربة أنفسهم أمام الواقع نفسه، وسيلتفتون يمنة ويسرة فيجدون أن لوبي الفساد ما زال يأكل القوت ويمشي في الأسواق، وقد يكون ازداد سمنة، وربما سيمارس هذه المرة الرقص الشرقي أمام عيوننا دون أن يسأله أحد «من أين لك كل هذا أيها الفساد العزيز، ولماذا صارت أكتافك أكثر سمنة في عهد حكومة بنكيران؟».
عند ذاك، سيستفيق الناس من سكرتهم ويسألون أنفسهم: وماذا كان يهمنا إن ضحك بنكيران أو بكى، وما شأننا ببذلته أو ربطة عنقه، وأي دخل لنا بزوجته وأبنائه وعشيرته، وماذا دهانا حتى نصدق بنكيران في كل تلك الوعود التي أطلقها بمحاربة الفساد والمفسدين؟
بنكيران قبل، وهو في كامل وعيه، أن يتقلد هذه المسؤولية «الحمقاء» في وقت تغلي فيه الشوارع العربية، ولا يحق له أن يطالب بالرأفة ولا بالرحمة، بل عليه أن يثبت كل يوم أنه الرجل الذي صنعه القدر لكي يرمي الحجر تلو الحجر في بركة الفساد الآسنة، ولا ننتظر منه أبدا أن يلعب دور ذلك الفارس الأبله، دون كيشوت دي لامانتشا، الذي تصور نفسه بطلا وصارع طويلا طواحين الهواء، قبل أن يجد نفسه في النهاية منهكا على فراش المرض بعد أن فقد عمره وطاقته في صراع وهمي. كل يوم يمر من عمر حكومة بنكيران محسوب عليه، لأنه هو الذي أراد ذلك، وإذا ما انتهى عمر حكومته بسلام، فسيكون إما ملاكا.. أو شيطانا، فلا منطقة وسطى بين جنة الإصلاح ونار الفساد
الجمعة، 27 يوليو 2012
من يفهم آسفي ؟
في المغرب مدن كبرى و مدن متوسطة ومدن صغرى
, آسفي تنتمي إلى انوع مختلف من المدن ،إنها مدينة منسية ، منسية تماما ،
اسفي تشبه مدينة ضائعة تعثر عليها الحياة ، وحين تدخلها تكتشف انها مدينة
قديمة جدا ، لكن النمو توقف بها في طفولتها ، فصارت محتاجة إلى عملية
جراحية معقدة لكي تنمو ، او ان تموت في غرفة الإنعاش ، امم كثيرة تعاركت من
أجل اسفي ، وفي سبيلها قامت حروب كبيرة ، وفي النهاية انفض عنها الجميع .
تعيش هذه المدينة على كثير من سحر الماضي ، إنها تشبه مدينة برتغالية ، لكن
في الأسماء فقط وفي بعض الحطام الذي تركه البرتغال ، في القديم كان يقال
اسمها Tzafin ) او ( ACRA )
و الله أعلم ، بأسفي أسوار ومدافع كانت في ملك البرتغال وأيضا هناك بقرب محيطها يوجد فنادق اسماؤها قريبة لأسماء برتغالية , من النادر أن تجد مدينة مغربية تحمل مقاهيها ومطاعمها وفنادقها وأزقتها أسماء غربية الأصل . لكن للتاريخ أحكامه .ففي أسفي ولد إسبان كثيرون صاروا سياسيين مشهورين و فنانين و رجال أعمال اليوم - لم يبقى غير الأنقاض - هناك أبراج عتيقة تكاد تسقط على العابرين ، وهناك عمارات حديثة لا تجد من يسكنها ، هذه هي أسفي التي وصفها بن خلدون بحاضرة المحيط...تنهار واقفة ، في المنطقة القريبة من الكورنيش , تختلط أناقة المقاهي و المطاعم وبعض الرسومات على الجدران بالفقر المدقع ، وتتجاور الفتاة الحسناء مع فتاة تبدو و كانها خرجت من القبر ، ويركن بعض السائحون سياراتهم الجميلة جنبا إلى جنب مع مشردين و حائرين يتأملون المحيط الذي لا يبدو خلفه شئ ، لا آفاق لهذه المدينة سوى أن تهاجر أو تقبل بمصيرك كما هو، والمصير الأكثر قتامة هو أن يتحول سكان أسفي إلى مجرد '' مصوتين '' في الانتخابات ، لذلك يتم منح هذه المدينة هدية لكبار المرشحين ، آخرهم كان ' عبد الرحيم دندون ' في إنتخابات 2007 , نجح دندون في أسفي وصار مفترس جد خطير بالمدينة استولى على كل كبيرة ونهب كل صغيرة ، لكن اليوم هناك مرشح بدوي مغمور اسمه ' محمد كريم ' اخد مهام دندون على عاتقه وهو الآن يكمل ما انتهى به الأخر , محمد كاريم , كانت ضده أزيد من 30 شكاية ، و بالرغم من ذلك قُبل لكي يدخل كمرشح لسنة 2012 .!ا لأسفي بضع ساحات ، إحداها ساحة تحمل إسم ' الاستقلال ' لا احد يعرف مم استقلت اسفي حتى تحمل ابرز ساحاتها هذا الاسم ، في هذه الساحة كانت وتزال بعض اشجار النخيل كأنها أرقام كبيرة في ساعة كبيرة ، تعاقب المسؤولون على هذه المدينة ولم يفهم أي منهم معنى نخيل تلك الساحة ، هناك ساحة أخرى حديثة بـها طاجين طيني كبير أول مرة كان ممتلئ بالحوت ، وقيل انه اكبر طاجين في إفريقيا أو العالم ، لكن الناس يمرون منها و لا يأبهون بينما يجمع طاجين اسفي ' الشباب المتعاركون مع الزمن و الحياة كل يوم ، في أسفي يمكنك أن تعثر على أي شئ وتأخذ ما تشاء يقول المسفيوين أن في هذه الأيام الأخيرة المدافع الشهيرة و الثمينة التي كانت تزين '' قصر البحر ' إختفت وفي ظروف غامضة قال الأمن أنها سرقت من لصوص ، لكن لا احد حقق في هذه السرقة الأكبر في تاريخ المدينة , الغريب أن هذه المدينة فيها مسؤولون و منتخبون لكن من خلال ظاهر الأشياء لا تبدو أسفي محتاجة لهم ، إنها مدينة تقود نفسها بنفسها مثل مركب صغير وسط المحيط ، هوية أسفي مفتقدة ، ولهجة المسفيوين خليط مابين لهجة الجيل ولهجة سكان البوادي البعيدة ، هناك أيضا تلك الحيرة التي تبدو على ملامح المسفيويين وهي ' هستيرية ' العام الماضي ابتدأت من ملعب مراكش و مرورا بأركانة ومسيرات 20 فبراير الضخمة و إستشهاد كمال عماري واحداث 01 غشت و سقوط الناعورة و إستشهاد محمد بودروة والغازات السامة للفوسفاط ....الخ من الأحداث التي وضعت اسفي من بين المدن الأولى كمادة إعلامية الأولى في العالم بين تعز و سيدي بوزيد و بنغازي والقاهرة ، بعد هذه النكبة الغريبة و الخطيرة لاتزال أسفي تعيش حالات قمع ، هذه حكم ومواعظ تعلم منها سكان أسفي أشياء كثيرة، فمن أحداث 01 غشت تعلموا أن المطالبة بالشغل تعني السجن ، وأن من يعتقل لدى الضابطة القضائية يعني مصيره التعذيب وزد على ذلك الكثير من المفارقات .حتى أصبح سكان أسفي متخوفون من هذه المآلات الغريبة في مدينة العجائب.ا ايضا في تلك الربوة المرتفعة المطلة على ميناء الصيد قرب ' بيرو عراب ' يأتي خليط من بين رائحة البحر و رائحة الأزبال و أناس يمضون وقتهم كيفما اتفق في مدينة بلا صناعة ولا سياحة ولا أي شئ ، حتى السردين الذي اشتهر به ميناء اسفي كأكبر ميناء في العالم للتصدير صار اليوم في بطن سمكة كبيرة !!!ا أنا على يقين أنني نسيت الكثير عن هذه المدينة ، و حتى إن أردنا أن نكتب عليها اليوم فعلينا أن نكتب حتى نتعب ، فأسفي بحر لا يفهمه أحد .ا
و الله أعلم ، بأسفي أسوار ومدافع كانت في ملك البرتغال وأيضا هناك بقرب محيطها يوجد فنادق اسماؤها قريبة لأسماء برتغالية , من النادر أن تجد مدينة مغربية تحمل مقاهيها ومطاعمها وفنادقها وأزقتها أسماء غربية الأصل . لكن للتاريخ أحكامه .ففي أسفي ولد إسبان كثيرون صاروا سياسيين مشهورين و فنانين و رجال أعمال اليوم - لم يبقى غير الأنقاض - هناك أبراج عتيقة تكاد تسقط على العابرين ، وهناك عمارات حديثة لا تجد من يسكنها ، هذه هي أسفي التي وصفها بن خلدون بحاضرة المحيط...تنهار واقفة ، في المنطقة القريبة من الكورنيش , تختلط أناقة المقاهي و المطاعم وبعض الرسومات على الجدران بالفقر المدقع ، وتتجاور الفتاة الحسناء مع فتاة تبدو و كانها خرجت من القبر ، ويركن بعض السائحون سياراتهم الجميلة جنبا إلى جنب مع مشردين و حائرين يتأملون المحيط الذي لا يبدو خلفه شئ ، لا آفاق لهذه المدينة سوى أن تهاجر أو تقبل بمصيرك كما هو، والمصير الأكثر قتامة هو أن يتحول سكان أسفي إلى مجرد '' مصوتين '' في الانتخابات ، لذلك يتم منح هذه المدينة هدية لكبار المرشحين ، آخرهم كان ' عبد الرحيم دندون ' في إنتخابات 2007 , نجح دندون في أسفي وصار مفترس جد خطير بالمدينة استولى على كل كبيرة ونهب كل صغيرة ، لكن اليوم هناك مرشح بدوي مغمور اسمه ' محمد كريم ' اخد مهام دندون على عاتقه وهو الآن يكمل ما انتهى به الأخر , محمد كاريم , كانت ضده أزيد من 30 شكاية ، و بالرغم من ذلك قُبل لكي يدخل كمرشح لسنة 2012 .!ا لأسفي بضع ساحات ، إحداها ساحة تحمل إسم ' الاستقلال ' لا احد يعرف مم استقلت اسفي حتى تحمل ابرز ساحاتها هذا الاسم ، في هذه الساحة كانت وتزال بعض اشجار النخيل كأنها أرقام كبيرة في ساعة كبيرة ، تعاقب المسؤولون على هذه المدينة ولم يفهم أي منهم معنى نخيل تلك الساحة ، هناك ساحة أخرى حديثة بـها طاجين طيني كبير أول مرة كان ممتلئ بالحوت ، وقيل انه اكبر طاجين في إفريقيا أو العالم ، لكن الناس يمرون منها و لا يأبهون بينما يجمع طاجين اسفي ' الشباب المتعاركون مع الزمن و الحياة كل يوم ، في أسفي يمكنك أن تعثر على أي شئ وتأخذ ما تشاء يقول المسفيوين أن في هذه الأيام الأخيرة المدافع الشهيرة و الثمينة التي كانت تزين '' قصر البحر ' إختفت وفي ظروف غامضة قال الأمن أنها سرقت من لصوص ، لكن لا احد حقق في هذه السرقة الأكبر في تاريخ المدينة , الغريب أن هذه المدينة فيها مسؤولون و منتخبون لكن من خلال ظاهر الأشياء لا تبدو أسفي محتاجة لهم ، إنها مدينة تقود نفسها بنفسها مثل مركب صغير وسط المحيط ، هوية أسفي مفتقدة ، ولهجة المسفيوين خليط مابين لهجة الجيل ولهجة سكان البوادي البعيدة ، هناك أيضا تلك الحيرة التي تبدو على ملامح المسفيويين وهي ' هستيرية ' العام الماضي ابتدأت من ملعب مراكش و مرورا بأركانة ومسيرات 20 فبراير الضخمة و إستشهاد كمال عماري واحداث 01 غشت و سقوط الناعورة و إستشهاد محمد بودروة والغازات السامة للفوسفاط ....الخ من الأحداث التي وضعت اسفي من بين المدن الأولى كمادة إعلامية الأولى في العالم بين تعز و سيدي بوزيد و بنغازي والقاهرة ، بعد هذه النكبة الغريبة و الخطيرة لاتزال أسفي تعيش حالات قمع ، هذه حكم ومواعظ تعلم منها سكان أسفي أشياء كثيرة، فمن أحداث 01 غشت تعلموا أن المطالبة بالشغل تعني السجن ، وأن من يعتقل لدى الضابطة القضائية يعني مصيره التعذيب وزد على ذلك الكثير من المفارقات .حتى أصبح سكان أسفي متخوفون من هذه المآلات الغريبة في مدينة العجائب.ا ايضا في تلك الربوة المرتفعة المطلة على ميناء الصيد قرب ' بيرو عراب ' يأتي خليط من بين رائحة البحر و رائحة الأزبال و أناس يمضون وقتهم كيفما اتفق في مدينة بلا صناعة ولا سياحة ولا أي شئ ، حتى السردين الذي اشتهر به ميناء اسفي كأكبر ميناء في العالم للتصدير صار اليوم في بطن سمكة كبيرة !!!ا أنا على يقين أنني نسيت الكثير عن هذه المدينة ، و حتى إن أردنا أن نكتب عليها اليوم فعلينا أن نكتب حتى نتعب ، فأسفي بحر لا يفهمه أحد .ا
آسـفي ... مأساة سـيدة كـانت جـميلة
مرض خطير وقعت فيه سيدة كانت جميلة في يوم ما، كانت الأبرز بين
زميلاتها وبنات صفها وحارتها، إلى جانب صفاء وجهها امتازت بطول شعرها
الفاحم الذي تقافز على ظهرها وردفيها،
كان الجميع يتمنى ودّها، الفتيات يحسدنها والشبان يحسدون من حظي بالتفاتة كريمة منها، كانت سببا للغيرة والخلافات وحتى الطوشات، وادعى كثيرون عشقها، وكان بمقدورها أن تتلاعب بالعواطف، فهذا تمنحه الأمل، وذاك تشطبه، وهذا تدخله إلى ملكوتها، وآخر تطرده شر طردة، هذا تغني لياليه بوعودها وذاك تفقره وتشقيه.
هذه السيدة ترفض الآن الاعتراف وبشراسة بأن عمرها تجاوز النصف قرن، بل وأصيبت بلوثة عقلية فصارت تزعم أنها الآن فقط بلغت السابعة والعشرين، وإمعانا في الوهم أقامت لهذا الغرض حفل عيد ميلاد لها.
بدأت القصة كمزحة، ولكنها ما لبثت أن تحولت إلى أمر جدي وخطير، فصارت تغتاظ عندما يحاول أحدهم إعادتها إلى رشدها ويخبرها بحقيقة كونها تجاوزت الخمسين، «أنا في السابعة والعشرين وإذا كنت تعتقد أنني تجاوزت الخمسين فلا تتكلم معي أبدا»!
ولكنك جميلة بالنسبة إلى سنك فلكل سن جماله، بل إن كثيرات في الخامسة والثلاثين يتمنين أن يكون لهن حسن وصفاء وجهك»!حينئذ تثور بشراسة ترعب من قبالتها وتصرخ «قلت لك أنا في السابعة والعشرين ألا تفهم»!
ليس هذا فقط، فهي تريد لكل من يراها أن يقتنع ويعترف بأنها ما زالت في تلك السن التي بلغتها في الواقع ابنتها البكر!
فجأة، اكتشفت أنها تعاني من السمنة المفرطة وأن ضغطها مرتفع وهناك عدم انتظام في خفقان قلبها، وأن عليها من الشحم واللحم الزائد ما يعادل وزنها يوم كانت في الثانوية، ولهذا حكمت على نفسها بعملية تخسيس فظيعة جدا، بل أستطيع وصفها بكونها وحشية، وقد نجحت في إذابة طبقات من الدهون والشحوم واللحوم التي تراكمت عبر عقودها الخمسة، ولكنها بعد هذه العملية القاسية أضاعت حيويتها بل سعادتها وابتسامتها وروحها التي كانت تميزها، فقدت نضارتها وترهل جلدها حتى صار مثل عباءة فضفاضة ملقاة بإهمال فوق جسدها، وحينئذ فقدت رشدها!
لو كانت معروفة ببشاعتها منذ البداية مثل كثيرات غير محظوظات لكان الأمر أسهل بكثير ويمكن التسليم به، لكن المصيبة أنها ترفض التسليم بطبيعة الحياة وسنتها وبأنه لا شيء يخبئ أوانه، وأن بقاء الحال من المحال، وأن لكل دولة نساءها وليس رجالها فقط، وكل حقبة زمنية لها جميلاتها ومحبوباتها ومعبوداتها، ومن عاند قال له المثل الشعبي «تريد أن تأكل دورك ودور غيرك»! ولكنها مصرّة على الإنكار وعلى أن تأكل دورها ودور غيرها، وتعتقد أن بإمكانها منافسة بنات ونساء في العشرينات من أعمارهن، والغريب أنها عاشت الدور جيدا وصدّقت نفسها، والأغرب من هذا أنه بات من الصعب إعادتها إلى رشدها، ولكن ماذا تفعل بأبنائها الذين كبروا وصاروا على أعتاب الزواج، فهي ما زالت تدعي أنهم أطفال توصلهم إلى المدرسة الابتدائية كل صباح وتدرّسهم بعد العصر، وتقتني لهم الألعاب الطفولية، وتسهر على راحتهم فتستيقظ ليلا كي تغطيهم وتطمئن على نومهم! غابت هذه السيدة في عالم افتراضي، ولهذا الغرض كتبت تاريخا مزيفا ليوم وسنة ميلادها على صفحاتها في الشبكات الاجتماعية، وأقامت لها صداقات مع المئات الذين لم يكونوا يعرفونها أصلا، ولهذا باتوا قانعين بكذبتها فهنأها العشرات منهم في يوم ميلادها «السابع والعشرين» بأجمل التهاني والتبريكات وبإرسال باقات الزهور الإلكترونية، فأصدقاؤها الافتراضيون من كل بقاع الوطن العربي لا يعرفون شيئا عنها سوى أنها فائقة الجمال، وقد أعجبني ذكاؤها جدا في لعب الدور الذي كلفت نفسها به، فقد وضعت صورا قديمة منذ عقدين وأكثر، وصورا لأطفال افتراضيين يحملون على ظهورهم حقائب مدرسية ادعت أنهم أبناؤها، واخترعت لها زوجا في الثانية والثلاثين يحاورها بين حين وآخر وتحاوره عبر الصفحات الإلكترونية «إلى زوجي الغالي بمناسبة بلوغه الثانية والثلاثين.. ألف مبروك حبيبي».
كانت كلما شعرت بخطر اكتشاف أمرها أضافت إلى عالمها الافتراضي شخصية أخرى أو حدثا افتراضيا جديدا، مثل شقيق أصغر نجح في امتحان التوجيهي، وعمة وصلت للتو من أمريكا في ضيافة ذويها، وصور من زمنها الجميل، فأيقن كل من رأى صورها وما تدوّنه أنها بالفعل في السابعة والعشرين، وأنها ما زالت في خفة الغزال ورشاقته، وشعرها ما زال فاحما كقطعة من الليل ينطنط على ظهرها وردفيها، والويل لك إذا أشرت لها بأنك تعرف أن شعرها مصبوغ، وأنك تعرف بأن ابنتها البكر مخطوبة وهي على وشك الزواج، وأن زوجها في السادسة والخمسين، وهو ليس مديرا في شركة بل هو موظف بسيط في البلدية، وأن أقرباءها الذين تتحدث عنهم لا وجود لهم أصلا إلا في خيالها، وأن جمالها بهت وذبل ولم يعد هناك من يطاردها ويتحرش بها إلا كهل أو مسنّ، هذا إذا وجد أصلا، وأن الذين كانوا يطاردونها ويلاحقونها كي يحظوا بقبولها أصبح جزء كبير منهم في عالم الغيب، وهاجر كثيرون منهم، وبعضهم لن يتعرف عليها لو رآها الآن، ومن يتعرف عليها سوف يتساءل بدهشة «أهذه هي التي كنا نتمنى في يوم من الأيام ابتسامة أو كلمة منها»!
كنت أحاول بين فترة وأخرى ومن باب عمل الخير إعادتها إلى صوابها وإقناعها بأن لكل سن جماله وليس عليها سوى الاعتراف وملاءمة لباسها ومظهرها وتصرفاتها مع سنها، حينئذ ستشعر بسعادة بل وبإمكانها الإحساس بجمالها إذا ما قارنت نفسها بمن هن في مثل سنها أو قريبات منه! إلا أنها مضت في غيها حتى ضُرب عقلها تماما، فزهد فيها زوجها وصارت عينه تلعب خارج البيت والأسرة، وهذا زاد من اكتئابها وجنونها.
حال هذه السيدة مثل حال مدينة آسفي اليوم في السياسة والحكم، بدلا من الاعتراف بالواقع المتغير لجؤوا مسؤولي هذه المدينة إلى الحيلة والكذب على أنفسهم وعلى الجمهور حتى أصيبوا بالجنون، فبنوا عوالم افتراضية يعيشون فيها ويصدّقونها وينكرون واقعهم الجديد، ويوهمون أنفسهم بأنهم ما زالوا محبوبي الجماهير، ويحاول بعضهم الاعتماد على صوره أو بعض إنجازاته القليلة من الماضي البعيد، هؤلاء المرضى يعتقدون أن الجمال حكرٌ عليهم والحب لا يكون إلا لهم وأن السلطان والحكم لا يمكن أن يكون إلا من نصيبهم و ، وأن الدنيا ستخرب من دونهم، ليس مسؤولي آسفي وحدهم من تنطبق عليهم حكاية مآساة السيدة ، ولكن بلى سائر مسؤولي المغرب من القصر الى أخر سلطة وكي يرضوا عنك يجب أن تواصل الكذب على نفسك وعليهم وتصرخ ليل نهار بأنهم هم الأجمل والأفضل في كل زمان، وأن سن اليأس لن تدركهم أبدا لا في الحاضر ولا في المستقبل، وإذا تجرأت على مصارحتهم بحقيقة أمرهم تنقلب فورا إلى عدو مبين حاقد ومتآمر يجب القضاء عليه بأي طريقة كانت وبأسرع ما يمكن..
كان الجميع يتمنى ودّها، الفتيات يحسدنها والشبان يحسدون من حظي بالتفاتة كريمة منها، كانت سببا للغيرة والخلافات وحتى الطوشات، وادعى كثيرون عشقها، وكان بمقدورها أن تتلاعب بالعواطف، فهذا تمنحه الأمل، وذاك تشطبه، وهذا تدخله إلى ملكوتها، وآخر تطرده شر طردة، هذا تغني لياليه بوعودها وذاك تفقره وتشقيه.
هذه السيدة ترفض الآن الاعتراف وبشراسة بأن عمرها تجاوز النصف قرن، بل وأصيبت بلوثة عقلية فصارت تزعم أنها الآن فقط بلغت السابعة والعشرين، وإمعانا في الوهم أقامت لهذا الغرض حفل عيد ميلاد لها.
بدأت القصة كمزحة، ولكنها ما لبثت أن تحولت إلى أمر جدي وخطير، فصارت تغتاظ عندما يحاول أحدهم إعادتها إلى رشدها ويخبرها بحقيقة كونها تجاوزت الخمسين، «أنا في السابعة والعشرين وإذا كنت تعتقد أنني تجاوزت الخمسين فلا تتكلم معي أبدا»!
ولكنك جميلة بالنسبة إلى سنك فلكل سن جماله، بل إن كثيرات في الخامسة والثلاثين يتمنين أن يكون لهن حسن وصفاء وجهك»!حينئذ تثور بشراسة ترعب من قبالتها وتصرخ «قلت لك أنا في السابعة والعشرين ألا تفهم»!
ليس هذا فقط، فهي تريد لكل من يراها أن يقتنع ويعترف بأنها ما زالت في تلك السن التي بلغتها في الواقع ابنتها البكر!
فجأة، اكتشفت أنها تعاني من السمنة المفرطة وأن ضغطها مرتفع وهناك عدم انتظام في خفقان قلبها، وأن عليها من الشحم واللحم الزائد ما يعادل وزنها يوم كانت في الثانوية، ولهذا حكمت على نفسها بعملية تخسيس فظيعة جدا، بل أستطيع وصفها بكونها وحشية، وقد نجحت في إذابة طبقات من الدهون والشحوم واللحوم التي تراكمت عبر عقودها الخمسة، ولكنها بعد هذه العملية القاسية أضاعت حيويتها بل سعادتها وابتسامتها وروحها التي كانت تميزها، فقدت نضارتها وترهل جلدها حتى صار مثل عباءة فضفاضة ملقاة بإهمال فوق جسدها، وحينئذ فقدت رشدها!
لو كانت معروفة ببشاعتها منذ البداية مثل كثيرات غير محظوظات لكان الأمر أسهل بكثير ويمكن التسليم به، لكن المصيبة أنها ترفض التسليم بطبيعة الحياة وسنتها وبأنه لا شيء يخبئ أوانه، وأن بقاء الحال من المحال، وأن لكل دولة نساءها وليس رجالها فقط، وكل حقبة زمنية لها جميلاتها ومحبوباتها ومعبوداتها، ومن عاند قال له المثل الشعبي «تريد أن تأكل دورك ودور غيرك»! ولكنها مصرّة على الإنكار وعلى أن تأكل دورها ودور غيرها، وتعتقد أن بإمكانها منافسة بنات ونساء في العشرينات من أعمارهن، والغريب أنها عاشت الدور جيدا وصدّقت نفسها، والأغرب من هذا أنه بات من الصعب إعادتها إلى رشدها، ولكن ماذا تفعل بأبنائها الذين كبروا وصاروا على أعتاب الزواج، فهي ما زالت تدعي أنهم أطفال توصلهم إلى المدرسة الابتدائية كل صباح وتدرّسهم بعد العصر، وتقتني لهم الألعاب الطفولية، وتسهر على راحتهم فتستيقظ ليلا كي تغطيهم وتطمئن على نومهم! غابت هذه السيدة في عالم افتراضي، ولهذا الغرض كتبت تاريخا مزيفا ليوم وسنة ميلادها على صفحاتها في الشبكات الاجتماعية، وأقامت لها صداقات مع المئات الذين لم يكونوا يعرفونها أصلا، ولهذا باتوا قانعين بكذبتها فهنأها العشرات منهم في يوم ميلادها «السابع والعشرين» بأجمل التهاني والتبريكات وبإرسال باقات الزهور الإلكترونية، فأصدقاؤها الافتراضيون من كل بقاع الوطن العربي لا يعرفون شيئا عنها سوى أنها فائقة الجمال، وقد أعجبني ذكاؤها جدا في لعب الدور الذي كلفت نفسها به، فقد وضعت صورا قديمة منذ عقدين وأكثر، وصورا لأطفال افتراضيين يحملون على ظهورهم حقائب مدرسية ادعت أنهم أبناؤها، واخترعت لها زوجا في الثانية والثلاثين يحاورها بين حين وآخر وتحاوره عبر الصفحات الإلكترونية «إلى زوجي الغالي بمناسبة بلوغه الثانية والثلاثين.. ألف مبروك حبيبي».
كانت كلما شعرت بخطر اكتشاف أمرها أضافت إلى عالمها الافتراضي شخصية أخرى أو حدثا افتراضيا جديدا، مثل شقيق أصغر نجح في امتحان التوجيهي، وعمة وصلت للتو من أمريكا في ضيافة ذويها، وصور من زمنها الجميل، فأيقن كل من رأى صورها وما تدوّنه أنها بالفعل في السابعة والعشرين، وأنها ما زالت في خفة الغزال ورشاقته، وشعرها ما زال فاحما كقطعة من الليل ينطنط على ظهرها وردفيها، والويل لك إذا أشرت لها بأنك تعرف أن شعرها مصبوغ، وأنك تعرف بأن ابنتها البكر مخطوبة وهي على وشك الزواج، وأن زوجها في السادسة والخمسين، وهو ليس مديرا في شركة بل هو موظف بسيط في البلدية، وأن أقرباءها الذين تتحدث عنهم لا وجود لهم أصلا إلا في خيالها، وأن جمالها بهت وذبل ولم يعد هناك من يطاردها ويتحرش بها إلا كهل أو مسنّ، هذا إذا وجد أصلا، وأن الذين كانوا يطاردونها ويلاحقونها كي يحظوا بقبولها أصبح جزء كبير منهم في عالم الغيب، وهاجر كثيرون منهم، وبعضهم لن يتعرف عليها لو رآها الآن، ومن يتعرف عليها سوف يتساءل بدهشة «أهذه هي التي كنا نتمنى في يوم من الأيام ابتسامة أو كلمة منها»!
كنت أحاول بين فترة وأخرى ومن باب عمل الخير إعادتها إلى صوابها وإقناعها بأن لكل سن جماله وليس عليها سوى الاعتراف وملاءمة لباسها ومظهرها وتصرفاتها مع سنها، حينئذ ستشعر بسعادة بل وبإمكانها الإحساس بجمالها إذا ما قارنت نفسها بمن هن في مثل سنها أو قريبات منه! إلا أنها مضت في غيها حتى ضُرب عقلها تماما، فزهد فيها زوجها وصارت عينه تلعب خارج البيت والأسرة، وهذا زاد من اكتئابها وجنونها.
حال هذه السيدة مثل حال مدينة آسفي اليوم في السياسة والحكم، بدلا من الاعتراف بالواقع المتغير لجؤوا مسؤولي هذه المدينة إلى الحيلة والكذب على أنفسهم وعلى الجمهور حتى أصيبوا بالجنون، فبنوا عوالم افتراضية يعيشون فيها ويصدّقونها وينكرون واقعهم الجديد، ويوهمون أنفسهم بأنهم ما زالوا محبوبي الجماهير، ويحاول بعضهم الاعتماد على صوره أو بعض إنجازاته القليلة من الماضي البعيد، هؤلاء المرضى يعتقدون أن الجمال حكرٌ عليهم والحب لا يكون إلا لهم وأن السلطان والحكم لا يمكن أن يكون إلا من نصيبهم و ، وأن الدنيا ستخرب من دونهم، ليس مسؤولي آسفي وحدهم من تنطبق عليهم حكاية مآساة السيدة ، ولكن بلى سائر مسؤولي المغرب من القصر الى أخر سلطة وكي يرضوا عنك يجب أن تواصل الكذب على نفسك وعليهم وتصرخ ليل نهار بأنهم هم الأجمل والأفضل في كل زمان، وأن سن اليأس لن تدركهم أبدا لا في الحاضر ولا في المستقبل، وإذا تجرأت على مصارحتهم بحقيقة أمرهم تنقلب فورا إلى عدو مبين حاقد ومتآمر يجب القضاء عليه بأي طريقة كانت وبأسرع ما يمكن..
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)






