الأحد، 9 سبتمبر 2012

سوريالية المشهد السياسي المغربي

الواقع المغربي سريالي إلى حد كبير. والذي ينظر إلى المشهد السياسي المغربي سيبدو له أنه ينظر إلى إحدى لوحات الرسام الغرائبي سلفادور دالي... الأنف قرب الرِّجل، والأصبع إلى جوار الحنجرة،
والظفر فوق اللسان، والرأس تحت القدم، والعين فوق الحاجب.
في اللوحات التشكيلية تبدو هذه المشاهد ممتعة، لذلك وصلت اللوحات السريالية إلى أسعار خيالية، والناس يتهافتون عليها كما يتهافتون على الخبز الساخن؛ لكن هذه السريالية تبدو مقززة في واقع سياسي، لذلك ينفر الناس من السياسيين، ويتهمون الأحزاب بالنفاق، ويحطمون كل الأرقام القياسية في مقاطعة الانتخابات، ويقارنون بين المسؤول وبين الشيطان.
آخر مظاهر السريالية في المشهد السياسي المغربي التحاق عضو بارز سابق في حركة 20 فبراير بحزب الأصالة والمعاصرة؛ والذين لم يفهموا هذه الحركة الالتفافية الصعبة، أكيد أنهم لا يجدون صعوبة تذكر في فهم الواقع السياسي المغربي منذ ما يسمى الاستقلال إلى اليوم، بل ربما قبل ذلك بكثير.
الانتقال من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين كان دائما حالة شائعة في هذه البلاد، وذلك لم يحدث في حالة أشخاص فقط، بل إن هيئات سياسية وأحزابا بكاملها حملت متاعها وعبرت في لمح البصر تلك المسافة الخرافية التي تفصل بين منطقتين متناقضتين.
وقبل أيام، قال قيادي في الاتحاد الاشتراكي إن وصول الإسلاميين إلى السلطة في العالم العربي يذكـّره بوصول الفاشيين إلى السلطة في أوربا. هذا الرجل ضرب لنا مثلا ونسي خلقه، لأنه نسي تماما تلك الرحلة السريالية التي قطعها حزبه من يسار متجذر بين الناس إلى يسار صوري يرفع شعار الاشتراكية من باب التذكير بأن الحزب كان يوما ما اشتراكيا. ويبدو أن حزب الاتحاد الاشتراكي هو أول حزب مغربي طبق نظرية «الانتقال السريالي» بطريقته الخاصة، وهو انتقال يسميه الناس الانتقال الديمقراطي أو التناوب التوافقي.. وهلم تسميات.
في المغرب أحزاب أخرى انتقلت ما بين اليسار وما بين اليمين كأنها تقفز ما بين العتبة وداخل الدار، وذلك لم يسبب لها أدنى حرج. وهناك زعماء أحزاب كانوا شيوعيين ثم انتهوا في البرلمان يحملون لقب الحاج ويطعّمون تدخلاتهم البرلمانية بآيات من القرآن الكريم.
هناك مناضلون اشتهروا بمعاناتهم الطويلة في الأقبية وخلف شباك السجون، ثم وجدوا لهم في النهاية موطئ قدم في شباك الحكم فشربوا حبّة النسيان وانتهت مشكلتهم.
هناك طلبة كانوا يرفعون شعارات جذرية في حرم الجامعات وينادون بإشعال النار في كل شيء، ثم انتهوا بعد ذلك يحملون الهراوات ويواجهون طلبة مثلهم ينادون بالزيادة في المنحة أو بتوفير مناصب شغل.
الإسلاميون ليسوا بمعزل عن هذا الانتقال السوريالي، وها هو رئيس الحكومة الحالي، عبد الإله بنكيران، ينتقل من زمن «الفلقة والتـّعْلاق بالطيّارة» إلى زمن الجلوس على كرسي رئاسة الوزراء. لقد انتقل الرجل من زمن رش الملح على الجرح إلى زمن وضع الثلج على مواضع الألم.
حزب الأصالة والمعاصرة بدوره لم يفعل أكثر من التطبيع مع هذا الانتقال، لأنه لاحظ أن هناك الكثير من الممارسين للعبة الترحال ما بين اليسار واليمين، وكثير من هؤلاء لا يجدون حزبا مناسبا لهم، لذلك قرر أن يكون الإطار السياسي الطبيعي لهؤلاء. وها هو «البام» يضم اليوم بين صفوفه أشخاصا كان حلم إسقاط النظام يسرق منهم نومهم، فصاروا في النهاية من سدنة النظام ومن أشرس المدافعين عنه. في المغرب مشاهد سريالية كثيرة، كثيرة جدا؛ فكثير من المغاربة يرددون اليوم حكايات كثيرة عن أحزاب عائلية تتصرف بمنطق المافيا الإيطالية، وكل واحد يصل إلى السلطة أو إلى منصب معين يكون ملزما بجرّ آخرين كثيرين إلى مناصب هامة.
في المغرب أحزاب ميكروسكوبية لا تستطيع أن تملأ قاعة صغيرة بأنصارها، وأحيانا يضطر الزعيم إلى استدعاء أصدقائه وأشقائه وجيرانه. وهناك «زعيم» عادة ما يلقي خطبه في قاعة ممتلئة لأن زوجته، التي تملك مصنعا، تتكفل بحشد الأنصار له وتضطر إلى منح عمالها وعاملاتها عطلة قسرية لأن «زعيمها» سيغضب لو لم تساعده، لأنه عادة ما يساعدها في المطبخ، بينما هي تساعده في حشد الأنصار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق