السبت، 28 يوليو 2012

بنكيران ضحك.. بنكيران بكى.. ثم تنتهي الحكاية

لم يسبق أن اهتم المغاربة بحكومة مثلما اهتموا بالحكومة الحالية. هم، في الحقيقة، لم يهتموا بالحكومة لمجرد أنها حكومة، بل اهتموا بحكومة يسمونها «حكومة بنكيران»، واهتموا أيضا برئيسها،
هذا الرجل البدين القصير، الذي يدفع أمامه بطنه المترهلة قليلا ولا يحب ربطات العنق، ويعشق النكات ويحكي القفشات في كل مناسبة، ثم يبكي في صلاة الاستسقاء فينهمر المطر مدرارا بعد أيام.
في الماضي، أيام الحسن الثاني، كانت تقام صلاة الاستسقاء فينهمر المطر بسرعة، فيقول الناس إن الأمريكان ساعدونا في ذلك، أي أنهم يخبروننا بزمن المطر، فنسارع إلى أداء صلاة الاستسقاء، فيبدو إيماننا كاملا مكتملا لا تشوبه شائبة.
هذه المرة، لم يتحدث الناس كثيرا عن سقوط المطر بضعة أيام بعد صلاة الاستسقاء، ربما لأنهم يؤمنون بأن هذه الحكومة مؤمنة بالفعل، وحتى لو انتهت الخمس سنوات بسلام ولم تحقق شيئا، فإن النية أبلغ من العمل، رغم أننا لا نستطيع أن نشتري بهذه «النية» ربع لتر من الزيت.
عندما استقبل الملك بنكيران، تتبع الناس الوزراء الذين قبّلوا كتف الملك أو الذين قبلوا يده أو الذين انحنوا بخفة أو أولئك الوزراء الذين كادوا يسقطون على وجوههم من فرط «الخلعة» والارتباك، إلى درجة أن الناس أشفقوا عليهم.
بعد ذلك، صار الحديث مختلفا، وبدأ الناس يتحدثون عن مشاكل بنكيران في تشكيل الحكومة، وعن إمكانية عودة حزبه إلى المعارضة، وعن حكومة الظل أو «الحكومة الظل»، وعن فؤاد عالي الهمة الذي يختبئ لبنكيران «مْع الدّورة».
وعندما تشكلت حكومة بنكيران، كانت تلك متعة أخرى، وتحدث الناس عنها في الحافلات وسيارات الأجرة والمقاهي والمنازل والمصانع والإدارات والأعراس والجنائز. وحتى الناس الذين لم يشتروا جريدة طوال حياتهم، صاروا مدمنين على قراءة الصحف لمعرفة كل شيء عن وزراء بنكيران، ومشاكل بنكيران، وطاولة أكل بنكيران الخالية من النبيذ، وبذلة بنكيران، وربطة عنق بنكيران، وحبه القديم وأيام صباه، وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه.
بعد أن انتهت موجة الهوس بشخص بنكيران و«حكومته»، بدأ الحديث عن برنامجه الحكومي، والنساء الغائبات عن حكومته، وأسباب تراجعه عن بعض وعوده، و«السّميكْ» الذي كان سيرتفع إلى ثلاثة آلاف درهم هذا العام، فصار الموضوع مؤجلا إلى سنة 2016، لكن الناس استمروا يحكون بإعجاب عن هؤلاء الوزراء الذين يصرحون بممتلكاتهم، ويجيبون على هواتف المواطنين، ويضبطون القضاة المرتشين في حالات تلبس.
سيمر بعض الوقت ثم يبدأ الناس في الحديث عن أشياء أخرى، وقد تنتهي الخمس سنوات من عمر حكومة بنكيران ليجد المغاربة أنفسهم أمام الواقع نفسه، وسيلتفتون يمنة ويسرة فيجدون أن لوبي الفساد ما زال يأكل القوت ويمشي في الأسواق، وقد يكون ازداد سمنة، وربما سيمارس هذه المرة الرقص الشرقي أمام عيوننا دون أن يسأله أحد «من أين لك كل هذا أيها الفساد العزيز، ولماذا صارت أكتافك أكثر سمنة في عهد حكومة بنكيران؟».
عند ذاك، سيستفيق الناس من سكرتهم ويسألون أنفسهم: وماذا كان يهمنا إن ضحك بنكيران أو بكى، وما شأننا ببذلته أو ربطة عنقه، وأي دخل لنا بزوجته وأبنائه وعشيرته، وماذا دهانا حتى نصدق بنكيران في كل تلك الوعود التي أطلقها بمحاربة الفساد والمفسدين؟
بنكيران قبل، وهو في كامل وعيه، أن يتقلد هذه المسؤولية «الحمقاء» في وقت تغلي فيه الشوارع العربية، ولا يحق له أن يطالب بالرأفة ولا بالرحمة، بل عليه أن يثبت كل يوم أنه الرجل الذي صنعه القدر لكي يرمي الحجر تلو الحجر في بركة الفساد الآسنة، ولا ننتظر منه أبدا أن يلعب دور ذلك الفارس الأبله، دون كيشوت دي لامانتشا، الذي تصور نفسه بطلا وصارع طويلا طواحين الهواء، قبل أن يجد نفسه في النهاية منهكا على فراش المرض بعد أن فقد عمره وطاقته في صراع وهمي.  كل يوم يمر من عمر حكومة بنكيران محسوب عليه، لأنه هو الذي أراد ذلك، وإذا ما انتهى عمر حكومته بسلام، فسيكون إما ملاكا.. أو شيطانا، فلا منطقة وسطى بين جنة الإصلاح ونار الفساد

الجمعة، 27 يوليو 2012

من يفهم آسفي ؟

في المغرب مدن كبرى و مدن متوسطة ومدن صغرى , آسفي تنتمي إلى انوع مختلف من المدن ،إنها مدينة منسية ، منسية تماما ، اسفي تشبه مدينة ضائعة تعثر عليها الحياة ، وحين تدخلها تكتشف انها مدينة قديمة جدا ، لكن النمو توقف بها في طفولتها ، فصارت محتاجة إلى عملية جراحية معقدة لكي تنمو ، او ان تموت في غرفة الإنعاش ، امم كثيرة تعاركت من أجل اسفي ، وفي سبيلها قامت حروب كبيرة ، وفي النهاية انفض عنها الجميع . تعيش هذه المدينة على كثير من سحر الماضي ، إنها تشبه مدينة برتغالية ، لكن في الأسماء فقط وفي بعض الحطام الذي تركه البرتغال ، في القديم كان يقال اسمها Tzafin ) او ( ACRA )
و الله أعلم ، بأسفي أسوار ومدافع كانت في ملك البرتغال وأيضا هناك بقرب محيطها يوجد فنادق اسماؤها قريبة لأسماء برتغالية , من النادر أن تجد مدينة مغربية تحمل مقاهيها ومطاعمها وفنادقها وأزقتها أسماء غربية الأصل . لكن للتاريخ أحكامه .ففي أسفي ولد إسبان كثيرون صاروا سياسيين مشهورين و فنانين و رجال أعمال اليوم - لم يبقى غير الأنقاض - هناك أبراج عتيقة تكاد تسقط على العابرين ، وهناك عمارات حديثة لا تجد من يسكنها ، هذه هي أسفي التي وصفها بن خلدون بحاضرة المحيط...تنهار واقفة ، في المنطقة القريبة من الكورنيش , تختلط أناقة المقاهي و المطاعم وبعض الرسومات على الجدران بالفقر المدقع ، وتتجاور الفتاة الحسناء مع فتاة تبدو و كانها خرجت من القبر ، ويركن بعض السائحون سياراتهم الجميلة جنبا إلى جنب مع مشردين و حائرين يتأملون المحيط الذي لا يبدو خلفه شئ ، لا آفاق لهذه المدينة سوى أن تهاجر أو تقبل بمصيرك كما هو، والمصير الأكثر قتامة هو أن يتحول سكان أسفي إلى مجرد '' مصوتين '' في الانتخابات ، لذلك يتم منح هذه المدينة هدية لكبار المرشحين ، آخرهم كان ' عبد الرحيم دندون ' في إنتخابات 2007 , نجح دندون في أسفي وصار مفترس جد خطير بالمدينة استولى على كل كبيرة ونهب كل صغيرة ، لكن اليوم هناك مرشح بدوي مغمور اسمه ' محمد كريم ' اخد مهام دندون على عاتقه وهو الآن يكمل ما انتهى به الأخر , محمد كاريم , كانت ضده أزيد من 30 شكاية ، و بالرغم من ذلك قُبل لكي يدخل كمرشح لسنة 2012 .!
ا لأسفي بضع ساحات ، إحداها ساحة تحمل إسم ' الاستقلال ' لا احد يعرف مم استقلت اسفي حتى تحمل ابرز ساحاتها هذا الاسم ، في هذه الساحة كانت وتزال بعض اشجار النخيل كأنها أرقام كبيرة في ساعة كبيرة ، تعاقب المسؤولون على هذه المدينة ولم يفهم أي منهم معنى نخيل تلك الساحة ، هناك ساحة أخرى حديثة بـها طاجين طيني كبير أول مرة كان ممتلئ بالحوت ، وقيل انه اكبر طاجين في إفريقيا أو العالم ، لكن الناس يمرون منها و لا يأبهون بينما يجمع طاجين اسفي ' الشباب المتعاركون مع الزمن و الحياة كل يوم ، في أسفي يمكنك أن تعثر على أي شئ وتأخذ ما تشاء يقول المسفيوين أن في هذه الأيام الأخيرة المدافع الشهيرة و الثمينة التي كانت تزين '' قصر البحر ' إختفت وفي ظروف غامضة قال الأمن أنها سرقت من لصوص ، لكن لا احد حقق في هذه السرقة الأكبر في تاريخ المدينة , الغريب أن هذه المدينة فيها مسؤولون و منتخبون لكن من خلال ظاهر الأشياء لا تبدو أسفي محتاجة لهم ، إنها مدينة تقود نفسها بنفسها مثل مركب صغير وسط المحيط ، هوية أسفي مفتقدة ، ولهجة المسفيوين خليط مابين لهجة الجيل ولهجة سكان البوادي البعيدة ، هناك أيضا تلك الحيرة التي تبدو على ملامح المسفيويين وهي ' هستيرية ' العام الماضي ابتدأت من ملعب مراكش و مرورا بأركانة ومسيرات 20 فبراير الضخمة و إستشهاد كمال عماري واحداث 01 غشت و سقوط الناعورة و إستشهاد محمد بودروة والغازات السامة للفوسفاط ....الخ من الأحداث التي وضعت اسفي من بين المدن الأولى كمادة إعلامية الأولى في العالم بين تعز و سيدي بوزيد و بنغازي والقاهرة ، بعد هذه النكبة الغريبة و الخطيرة لاتزال أسفي تعيش حالات قمع ، هذه حكم ومواعظ تعلم منها سكان أسفي أشياء كثيرة، فمن أحداث 01 غشت تعلموا أن المطالبة بالشغل تعني السجن ، وأن من يعتقل لدى الضابطة القضائية يعني مصيره التعذيب وزد على ذلك الكثير من المفارقات .حتى أصبح سكان أسفي متخوفون من هذه المآلات الغريبة في مدينة العجائب.ا ايضا في تلك الربوة المرتفعة المطلة على ميناء الصيد قرب ' بيرو عراب ' يأتي خليط من بين رائحة البحر و رائحة الأزبال و أناس يمضون وقتهم كيفما اتفق في مدينة بلا صناعة ولا سياحة ولا أي شئ ، حتى السردين الذي اشتهر به ميناء اسفي كأكبر ميناء في العالم للتصدير صار اليوم في بطن سمكة كبيرة !!!ا أنا على يقين أنني نسيت الكثير عن هذه المدينة ، و حتى إن أردنا أن نكتب عليها اليوم فعلينا أن نكتب حتى نتعب ، فأسفي بحر لا يفهمه أحد .ا

آسـفي ... مأساة سـيدة كـانت جـميلة

مرض خطير وقعت فيه سيدة كانت جميلة في يوم ما، كانت الأبرز بين زميلاتها وبنات صفها وحارتها، إلى جانب صفاء وجهها امتازت بطول شعرها الفاحم الذي تقافز على ظهرها وردفيها،
كان الجميع يتمنى ودّها، الفتيات يحسدنها والشبان يحسدون من حظي بالتفاتة كريمة منها، كانت سببا للغيرة والخلافات وحتى الطوشات، وادعى كثيرون عشقها، وكان بمقدورها أن تتلاعب بالعواطف، فهذا تمنحه الأمل، وذاك تشطبه، وهذا تدخله إلى ملكوتها، وآخر تطرده شر طردة، هذا تغني لياليه بوعودها وذاك تفقره وتشقيه.
هذه السيدة ترفض الآن الاعتراف وبشراسة بأن عمرها تجاوز النصف قرن، بل وأصيبت بلوثة عقلية فصارت تزعم أنها الآن فقط بلغت السابعة والعشرين، وإمعانا في الوهم أقامت لهذا الغرض حفل عيد ميلاد لها.
بدأت القصة كمزحة، ولكنها ما لبثت أن تحولت إلى أمر جدي وخطير، فصارت تغتاظ عندما يحاول أحدهم إعادتها إلى رشدها ويخبرها بحقيقة كونها تجاوزت الخمسين، «أنا في السابعة والعشرين وإذا كنت تعتقد أنني تجاوزت الخمسين فلا تتكلم معي أبدا»!
ولكنك جميلة بالنسبة إلى سنك فلكل سن جماله، بل إن كثيرات في الخامسة والثلاثين يتمنين أن يكون لهن حسن وصفاء وجهك»!حينئذ تثور بشراسة ترعب من قبالتها وتصرخ «قلت لك أنا في السابعة والعشرين ألا تفهم»!
ليس هذا فقط، فهي تريد لكل من يراها أن يقتنع ويعترف بأنها ما زالت في تلك السن التي بلغتها في الواقع ابنتها البكر!
فجأة، اكتشفت أنها تعاني من السمنة المفرطة وأن ضغطها مرتفع وهناك عدم انتظام في خفقان قلبها، وأن عليها من الشحم واللحم الزائد ما يعادل وزنها يوم كانت في الثانوية، ولهذا حكمت على نفسها بعملية تخسيس فظيعة جدا، بل أستطيع وصفها بكونها وحشية، وقد نجحت في إذابة طبقات من الدهون والشحوم واللحوم التي تراكمت عبر عقودها الخمسة، ولكنها بعد هذه العملية القاسية أضاعت حيويتها بل سعادتها وابتسامتها وروحها التي كانت تميزها، فقدت نضارتها وترهل جلدها حتى صار مثل عباءة فضفاضة ملقاة بإهمال فوق جسدها، وحينئذ فقدت رشدها!
لو كانت معروفة ببشاعتها منذ البداية مثل كثيرات غير محظوظات لكان الأمر أسهل بكثير ويمكن التسليم به، لكن المصيبة أنها ترفض التسليم بطبيعة الحياة وسنتها وبأنه لا شيء يخبئ أوانه، وأن بقاء الحال من المحال، وأن لكل دولة نساءها وليس رجالها فقط، وكل حقبة زمنية لها جميلاتها ومحبوباتها ومعبوداتها، ومن عاند قال له المثل الشعبي «تريد أن تأكل دورك ودور غيرك»! ولكنها مصرّة على الإنكار وعلى أن تأكل دورها ودور غيرها، وتعتقد أن بإمكانها منافسة بنات ونساء في العشرينات من أعمارهن، والغريب أنها عاشت الدور جيدا وصدّقت نفسها، والأغرب من هذا أنه بات من الصعب إعادتها إلى رشدها، ولكن ماذا تفعل بأبنائها الذين كبروا وصاروا على أعتاب الزواج، فهي ما زالت تدعي أنهم أطفال توصلهم إلى المدرسة الابتدائية كل صباح وتدرّسهم بعد العصر، وتقتني لهم الألعاب الطفولية، وتسهر على راحتهم فتستيقظ ليلا كي تغطيهم وتطمئن على نومهم! غابت هذه السيدة في عالم افتراضي، ولهذا الغرض كتبت تاريخا مزيفا ليوم وسنة ميلادها على صفحاتها في الشبكات الاجتماعية، وأقامت لها صداقات مع المئات الذين لم يكونوا يعرفونها أصلا، ولهذا باتوا قانعين بكذبتها فهنأها العشرات منهم في يوم ميلادها «السابع والعشرين» بأجمل التهاني والتبريكات وبإرسال باقات الزهور الإلكترونية، فأصدقاؤها الافتراضيون من كل بقاع الوطن العربي لا يعرفون شيئا عنها سوى أنها فائقة الجمال، وقد أعجبني ذكاؤها جدا في لعب الدور الذي كلفت نفسها به، فقد وضعت صورا قديمة منذ عقدين وأكثر، وصورا لأطفال افتراضيين يحملون على ظهورهم حقائب مدرسية ادعت أنهم أبناؤها، واخترعت لها زوجا في الثانية والثلاثين يحاورها بين حين وآخر وتحاوره عبر الصفحات الإلكترونية «إلى زوجي الغالي بمناسبة بلوغه الثانية والثلاثين.. ألف مبروك حبيبي».
كانت كلما شعرت بخطر اكتشاف أمرها أضافت إلى عالمها الافتراضي شخصية أخرى أو حدثا افتراضيا جديدا، مثل شقيق أصغر نجح في امتحان التوجيهي، وعمة وصلت للتو من أمريكا في ضيافة ذويها، وصور من زمنها الجميل، فأيقن كل من رأى صورها وما تدوّنه أنها بالفعل في السابعة والعشرين، وأنها ما زالت في خفة الغزال ورشاقته، وشعرها ما زال فاحما كقطعة من الليل ينطنط على ظهرها وردفيها، والويل لك إذا أشرت لها بأنك تعرف أن شعرها مصبوغ، وأنك تعرف بأن ابنتها البكر مخطوبة وهي على وشك الزواج، وأن زوجها في السادسة والخمسين، وهو ليس مديرا في شركة بل هو موظف بسيط في البلدية، وأن أقرباءها الذين تتحدث عنهم لا وجود لهم أصلا إلا في خيالها، وأن جمالها بهت وذبل ولم يعد هناك من يطاردها ويتحرش بها إلا كهل أو مسنّ، هذا إذا وجد أصلا، وأن الذين كانوا يطاردونها ويلاحقونها كي يحظوا بقبولها أصبح جزء كبير منهم في عالم الغيب، وهاجر كثيرون منهم، وبعضهم لن يتعرف عليها لو رآها الآن، ومن يتعرف عليها سوف يتساءل بدهشة «أهذه هي التي كنا نتمنى في يوم من الأيام ابتسامة أو كلمة منها»!
كنت أحاول بين فترة وأخرى ومن باب عمل الخير إعادتها إلى صوابها وإقناعها بأن لكل سن جماله وليس عليها سوى الاعتراف وملاءمة لباسها ومظهرها وتصرفاتها مع سنها، حينئذ ستشعر بسعادة بل وبإمكانها الإحساس بجمالها إذا ما قارنت نفسها بمن هن في مثل سنها أو قريبات منه! إلا أنها مضت في غيها حتى ضُرب عقلها تماما، فزهد فيها زوجها وصارت عينه تلعب خارج البيت والأسرة، وهذا زاد من اكتئابها وجنونها.
حال هذه السيدة مثل حال مدينة آسفي اليوم في السياسة والحكم، بدلا من الاعتراف بالواقع المتغير لجؤوا مسؤولي هذه المدينة إلى الحيلة والكذب على أنفسهم وعلى الجمهور حتى أصيبوا بالجنون، فبنوا عوالم افتراضية يعيشون فيها ويصدّقونها وينكرون واقعهم الجديد، ويوهمون أنفسهم بأنهم ما زالوا محبوبي الجماهير، ويحاول بعضهم الاعتماد على صوره أو بعض إنجازاته القليلة من الماضي البعيد، هؤلاء المرضى يعتقدون أن الجمال حكرٌ عليهم والحب لا يكون إلا لهم وأن السلطان والحكم لا يمكن أن يكون إلا من نصيبهم و ، وأن الدنيا ستخرب من دونهم، ليس مسؤولي آسفي وحدهم من تنطبق عليهم حكاية مآساة السيدة ، ولكن بلى سائر مسؤولي المغرب من القصر الى أخر سلطة وكي يرضوا عنك يجب أن تواصل الكذب على نفسك وعليهم وتصرخ ليل نهار بأنهم هم الأجمل والأفضل في كل زمان، وأن سن اليأس لن تدركهم أبدا لا في الحاضر ولا في المستقبل، وإذا تجرأت على مصارحتهم بحقيقة أمرهم تنقلب فورا إلى عدو مبين حاقد ومتآمر يجب القضاء عليه بأي طريقة كانت وبأسرع ما يمكن..